على شريطٍ ساحليّ ضيّق يمتدّ من صيدا إلى صور، في ما يُعرف اليوم بجنوب لبنان والساحل السوري، نشأت حضارة فريدة لم تسعَ إلى تشييد أهرامات شاهقة كما فعل المصريون، ولا إلى إقامة جيوش جرّارة على مثال الآشوريين. بل اختارت أن تبني مجدها فوق الماء، معتمدةً على الخشب، والسفن الخفيفة، وخبرة البحّارة وصبرهم. إنّهم الفينيقيون، أو الكنعانيون، أولئك الذين وصفهم الإغريق بـ«حَمَلة الأرجوان»، نسبةً إلى تجارتهم الأسطورية بصبغة الملوك التي طبعت اسمهم في ذاكرة التاريخ.
لم يكن الفينيقيون ملوك غزو ولا أباطرة توسّع، بل كانوا تجّاراً بطبيعتهم، وهذه السمة بالذات هي التي شكّلت سرّ قوّتهم وأسباب خلودهم. فمن خلال التجارة، لا السيف، نقشوا حضورهم العميق في تاريخ البحر الأبيض المتوسط، ونسجوا شبكة علاقات امتدّت من الشرق إلى أقصى الغرب.
وفي الواقع، لم تتّخذ الحضارة الفينيقية شكل دولة موحّدة، بل قامت على منظومة من مدن–دول مستقلة توزّعت على الساحل الشرقي للمتوسط، لكلٍّ منها دورها السياسي والاقتصادي المميّز. فقد عُرفت صيدا بتميّزها في صناعة السفن، فيما تحوّلت صور إلى عاصمة الأرجوان ومركز الثقل التجاري والنفوذ البحري. أمّا جبيل، أقدم المدن الفينيقية، فكانت بوابة التجارة مع مصر، ومنها انطلقت حركة تصدير الأخشاب والبردي، في حين شكّلت أرواد أول قاعدة بحرية ذات طابع عسكري. هذا التنوّع في مراكز القوّة منح الفينيقيين مرونة فريدة، ومكّنهم من بسط نفوذ بحري واسع من دون الحاجة إلى سلطة مركزية واحدة.
أمّا سرّ تفوّقهم الملاحي، فكان يكمن في معرفتهم العميقة بالبحر وأسراره. ففي وقت كانت فيه معظم الحضارات تفضّل الإبحار بمحاذاة السواحل خوفاً من المجهول، تجرّأ الفينيقيون على خوض عرض البحر، بل والإبحار ليلاً، مسترشدين بالنجم القطبي. بهذا الإقدام، حوّلوا البحر من حاجز مخيف إلى طريق مفتوح، وجعلوا من الملاحة فناً وعِلماً سبق عصره، وأسّس لهيمنتهم البحرية لقرون طويلة.
تميّز الفينيقيون بجرأة بحرية استثنائية فتحت أمامهم آفاق التجارة من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى أقصى غرب أوروبا، وصولاً إلى إسبانيا وسواحل الأطلسي. ولم يكونوا مجرّد ناقلي بضائع، بل روّاد اكتشاف وبناة شبكات تجارية متكاملة، أسّسوا عبرها مستعمرات ومرافئ بحرية شكّلت عصب التبادل التجاري في العالم القديم، ولعلّ قرطاج، في تونس الحالية، كانت درّة هذا المشروع الحضاري وأشهر تجلياته.
غير أنّ التفوّق البحري الفينيقي لم يكن وليد الجرأة وحدها، بل ثمرة تطوّر تقني لافت في صناعة السفن. فقد استعانوا بخشب الأرز المعروف بمتانته ومقاومته للمياه، وصمّموا سفناً ذات مقدّمات مقوّسة قادرة على مجابهة أمواج البحر المفتوح. كما طوّروا السفن ثنائية المجاديف والأشرعة المربّعة، ما أتاح لهم السيطرة على الرياح والإبحار لمسافات بعيدة غير مسبوقة في ذلك الزمن. بهذه الابتكارات، غدا الأسطول الفينيقي الأكثر كفاءة وقدرة على الملاحة في العالم القديم.
وتشير المصادر الإغريقية إلى أنّ الفينيقيين قد يكونون أوّل من دار حول القارة الأفريقية بأمر من الفرعون المصري نخاو الثاني في القرن السادس قبل الميلاد. وقد استغرقت تلك الرحلة ثلاث سنوات، توقّف خلالها البحّارة على السواحل للزراعة وتأمين المؤن. وإذا ما صحّت هذه الرواية، فإنّ الفينيقيين يكونون قد سبقوا الكشوف الجغرافية الأوروبية بقرون، مؤكّدين مكانتهم كأعظم روّاد الملاحة في التاريخ القديم.
ومع توسّع طرقهم البحرية، نسج الفينيقيون شبكة واسعة من المستعمرات والمرافئ امتدّت من قادس في جنوب إسبانيا إلى موطيا في صقلية، وليكسوس في المغرب، وصولاً إلى قرطاج، مركز الثقل السياسي والتجاري. وقد أدّت هذه المستوطنات دور محطّات للتزوّد بالمؤن، وتبادل السلع، وصيانة السفن، ما جعل التجارة الفينيقية أشبه بنظام عالمي مبكر يربط الشرق بالغرب.
ولم تقتصر تجارة الفينيقيين على السلع الشائعة، بل اشتهروا بالمنتجات الفاخرة ذات القيمة الاستثنائية. في مقدّمها الأرجوان الصوري، الصبغة النادرة المستخرجة من أصداف الموركس، والتي ارتبطت بالملوك والأباطرة في العالم القديم، حتى غدا اللون الأرجواني رمزاً للسلطة والعظمة. كما برعوا في صناعة الزجاج الشفّاف والمنفوخ، فرفعوا من شأن المنتجات الحِرَفية المصقولة. وإلى ذلك، أدّوا دور الوسيط في نقل الفضة من مناجم إسبانيا إلى الشرق، وفي تصدير خشب الأرز والبردي من مصر إلى الغرب.
وعلى مدى قرون، نسج الفينيقيون علاقات وثيقة مع مصر وحضارات الشرق الأدنى. فقد اعتمد المصريون عليهم لتأمين خشب الأرز اللازم لبناء السفن والمعابد، وتشير نصوص فرعونية إلى بعثات رسمية أُرسلت إلى جبيل خصيصاً لجلب هذه الأخشاب. كما شكّل الفينيقيون حلقة وصل أساسية بين الآشوريين والبابليين من جهة، وأسواق المتوسط الغربية من جهة أخرى، ما منحهم موقعاً لا غنى عنه في شبكة التجارة القديمة.
غير أنّ أعظم ما قدّمته الحضارة الفينيقية للبشرية لم يكن اقتصادياً فحسب، بل ثقافياً وفكرياً. فبدافع تنظيم وحفظ سجلاتهم التجارية المتشعّبة، ابتكروا الأبجدية الفينيقية، وهي نظام كتابة ثوري اعتمد على الحروف الصوتية بدلاً من الرموز المعقّدة. وقد تبنّى الإغريق هذه الأبجدية وطوّروها، ومنها انبثقت الأبجديات اللاتينية والسريانية، لتصبح أساس معظم أنظمة الكتابة المستخدمة في العالم حتى اليوم.
وفي موازاة ذلك، حمل الفينيقيون إرثاً دينياً غنياً، عبدوا فيه آلهة مثل بعل وعشتار وملقارت، وكان لكل مدينة إلهها الحامي. ومع انتشار مستعمراتهم، انتقلت هذه المعتقدات إلى الغرب، حيث تماهى الإله ملقارت مع هرقل في الميثولوجيا الإغريقية، في مثال واضح على التفاعل الثقافي العميق الذي أحدثه الفينيقيون في حوض المتوسط.
إلّا أنّ هذا المجد لم يدم إلى الأبد. فقد أدّى صعود روما إلى صدام تاريخي حاسم مع قرطاج في ما عُرف بالحروب البونية، وهو صراع بين حضارة بحرية تجارية وحضارة برّية عسكرية. وانتهت هذه المواجهة الكونية بتدمير قرطاج عام 146 ق.م، وببداية الهيمنة الرومانية المطلقة على البحر الأبيض المتوسط.
ومع ذلك، لم يغب الفينيقيون عن الذاكرة الإنسانية. فما زالت آثارهم حاضرة في أسماء المدن، وفي مفردات اللغات، وفي الأبجدية التي تشكّل العمود الفقري للتواصل الإنساني الحديث. لقد أثبتوا، عبر التاريخ، أنّ القوة لا تُقاس دائماً بالسيف، بل قد تتجسّد في السفينة، وفي الحرف، وفي القدرة على وصل الشعوب وبناء الجسور بين الحضارات.

0 Comments